أحمد ابراهيم الهواري

135

من تاريخ الطب الإسلامي

ويدخل إلى مارستان المجانين ويباشر أحوالهم بنفسه ويتحدث معهم ولا يغفل عن مصلحة تتعلق بمباشرته » وقال خالد البلوى « 1 » عن مارستان القاهرة في عصره يريد المارستان الكبير المنصوري : « أخبرني الشيخ العالم المؤرخ شمس الدين الكركي أنه يكحل فيه كل يوم من المرضى الداخلين إليه والناقهين الخارجين أربعة آلاف نفس وتارات يزيدون وينقصون ، ولا يخرج منه كل من يبرأ من مرض حتى يعطى إحسانا إليه وإنعاما : كسوة للباسه ، ودراهم لنفقاته . وأما ما يعالج المرضى به من قناطير الأشربة المقطرة والأكحال الرقيقة الطيبة التي تسحق فيها دنانير الذهب الإبريز ، وفصوص الياقوت النفيس ، وأنوع اللؤلؤ الثمين ، فشئ يهول السماع ، ويعم ذلك الجمع ، إلى ما يضاف إلى ذلك كله من لحوم الطير والأغنام على اختلافها وتباين أصنافها مع ما يحتاج إليه كل واحد ممن يوافيه ويحل فيه ، لفرشه وعرشه من غطاء ووطاء ومشموم ومزرور وشبه ذلك مما هو معدّ على أكمله هنالك ، وما ليس مثله إلا في منزل أمير أو خليفة وقد رتب على ذلك كله من الأطباء الماهرين والشهود المبرزين والنظار العارفين والخدام المتصرفين كل من هو في معالجته موثوق بعدالته ، مسلم له في معرفته ، غير مقصر في تصرفه وخدمته . ولو استقصيت الكلام في هذا المارستان وحده لكان مجلدا مستقلا بنفسه ، أو في مبانيه الرائقة وصناعاته الفائقة وتواريخه المذهبة ونقوشه العجيبة المنتخبة التي ترفل في ملابس الإعجاب وتسحر العقول والألباب ما يفتن النفوس ، ويكسف أنواع البدور والشموس وتعجز عن وصف بعضها خطأ الأقلام في ساحة الطروس فما وقعت عين على مثله ولا سمعت أذن بشبهه وشكله : تجاوز حدّ الوهم واللحظ والمنى * وأعشى الحجا لألاؤه المتضارى فتنعكس الأفكار وهي خواسر * وتنقلب الأبصار وهي خواسى وفي يوم الاثنين « 2 » 3 صفر سنة 743 استقر الأمير جنكلى بن البابا في نظر البيمارستان عوضا عن الجاولى .

--> ( 1 ) - تاج المفرق في تحلية أهل الشرق لأبى البقاء خالد البلوى الأندلسي قاضى قنتورية Cantoria وهي رحلته إلى الحجاز مشحونة بالفوائد والفرائد خرج فيها من بلدة بالمغرب يوم السبت 18 صفر سنة 736 ه ومر بالقاهرة فوصف ما شاهده فيها وهي مخطوط بخزانة كتب المرحوم أحمد تيمور باشا رحمه الله . ( 2 ) - السلوك للمقريزي ج 2 ص 664 .